ابن عربي
81
ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق
يقول : إن أهل هذه المعرفة لما أدلجوا في معارجهم ، وسروا لنيل مقاصدهم ، وقطعوا كل مسلك بعيد في نفوسهم بالسفر البعيد الذي ندبهم الحق إليه ، وأمرهم في قوله : فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ [ الذاريات : 50 ] ، وذمّ من يتربص عن هذا السفر بقوله : قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ [ التوبة : 24 ] الآية إلى قوله : أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا [ التوبة : 24 ] ، فجعل البركة في الحركة منه وإليه نزلوا في السحر نزول المسافر إذا أدلج ليستريح ، وتسمى تلك النومة العسلية لما فيها من اللذة ، فهو نزولهم للاستراحة في آخر طريق معرفة ما أودع اللّه في ليل هياكلهم من الحكمة المتعلقة بالحقائق الإلهية ، وجعل السحر موضع الفصل بين هذه الحقائق الليلية الهيكلية وبين حقائق الأرواح النورية المعبر عنها بالملأ الأعلى فأناخوا في هذا المقام ، وهذا يسمى الوقوف ، ولم يسلك سلوكا آخر لتحصيل فوائد أخر ، فإنّ اللّه تعالى قال لنبيه عليه الصلاة والسلام : وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً [ طه : 114 ] ، وجعل الإناخة بمطايا الهمم في وادي العقيق الذي هو موضع الإحرام بالحج والعمرة « 1 » ، فجعله مناخ حرمة محمدية لأنها ميقات أهل المدينة الذين نبه عليهم بلسان الإشارة أن لا نهاية لما يطلبون ، فليرجعوا ، فإنّ رجوعهم سفر لاقتناص علوم لم ينالوها في العروج فما لهم غاية يقفون عندها ، وللتنبيه في ذلك بهم قوله تعالى : يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا [ الأحزاب : 13 ] ، وأهل يثرب هم المحمديون من العارفين ، ولكن من باب الإشارة بالآية ، لا من باب النص والتفسير ، فلا نغلط فيما أشرنا إليه في ذلك . ثم قال : لما أخذوا تلك الراحة في السحر طلع الفجر ، أي ظهر الأمن من عالم الأمر الناظري ، ولكن ظهور علم من ذلك ، أي إشارة دليل ، ولكن في محل النفع والرفعة ، وهو النيق . يقول : فما ظهر لي في عالم الأمر لنفسه ، وإنما لاح لي علما ، أي دليلا على ما يناسب ذلك الإبداع اللطيف من الحقائق الإلهية ، والجبل المذكور هنا في هذا البيت الذي هو العلم عليه ، وهو الجسم ، وذلك هو الروح ، أي ظهر له في عالم الأمر من نفسه فإنه أتم في المعرفة . إذا رامه النّسر لم يستطع * فمن دونه كان بيض الأنوق عليه زخارف منقوشة * رفيع القواعد مثل العقوق يقول : الأنوق الرخم ، والعقوق قيل : هو قصر عظيم فوق جبل عال ، وقيل غير ذلك ، وقوله : إذا رامه النسر لم يستطع ، إشارة إلى الروح البرزخي الذي هو أقرب إلى الملأ الأعلى من غيره من الأرواح المدبرة ، يقول : هذا العلم الذي لاح له لا يستطيع
--> ( 1 ) العمرة : أفعال مخصوصة تسمى بالحج الأصغر وأفعالها أربعة ، الإحرام والطواف والسعي بين الصفا والمروة والحلق . وليس لها وقت معين ، ولا وقوف بعرفة ( ج ) عمر .